هل تنجح مجموعة دول البريكس في استحداث عملة جديدة تنهي هيمنة الدولار؟

د. نضال الشعار - كبير المستشارين الإقتصاديين

2023-05-17 12:46:01

منذ قمتها الأولى في 16 يونيو 2009، سعت الدول الأعضاء داخل مجموعة البريكس وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتنمية فيما بينها. كانت القمة الأولى أيضاً أول مناسبة تدعو فيها كتلة بريكس إلى ضرورة استحداث نظام نقدي دولي جديد مستقر ويمكن التنبؤ به وأكثر تنوعاً مع تكرار انتقاد الدور المهيمن والسياسي للدولار الأمريكي بشكلٍ صريح ولاذع. ومع ارتفاع مساهمة مجموعة البريكس في الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 31.5%، تدرك الكتلة حجم قوتها في المسرح الإقتصادي العالمي وتسعى بنشاطٍ إلى توسيعها. وقد انضمت اقتصادات مثل بنجلاديش ومصر والإمارات العربية المتحدة بالفعل إلى بنك التنمية الجديد (The New Development Bank) التابع لمجموعة البريكس. كما تسعى إيران والحلفاء الاقتصاديون التقليديون للولايات المتحدة الأمريكية كالمملكة العربية السعودية والمكسيك إلى الحصول على العضوية، مما يشير إلى حقيقة أن حتى شركاء أمريكا التقليديون يشككون في قدرة الولايات المتحدة على ممارسة العلاقات التجارية بشكل عادل وحر، ويؤمنون بأنها لن تتردد في استخدام الدولار كسلاح ضد خصومها.

وكان قد صرح الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في حزيران الماضي إن مجموعة البريكس تعمل على تطوير عملة احتياطية جديدة تعتمد على سلة من عملات دولها الأعضاء بالإضافة إلى الذهب وبعض المعادن الثمينة. وأن القضية ستناقش في قمة بريكس في جنوب أفريقيا في نهاية أغسطس آب القادم. في ذات الوقت أعرب الرئيس البرازيلي "لويس إيناسيو لولا دا سيلفا" عن دعمه لإمكانية خلق عملة موحدة لمجموعة بريكس حيث صرح بأن بلاده بدأت العمل التحضيري في مشروع مماثل مع جارتها الأرجنتين.

 

لماذا تريد بعض الدول الابتعاد عن الدولار؟

تمثل حصة الدولار الأمريكي حوالي 90% من مجمل عمليات تداول  العملات، وأقل بقليل من 60% من جميع احتياطيات العملات الأجنبية التي تحتفظ بها البنوك المركزية حول العالم، وما يقرب من 100% من تجارة النفط، وأكثر من 74% من التجارة الخارجية، ومع تزايد حجم استيراد الولايات المتحدة لسلع وخدمات أكثر مما تصدر، تضطر بقية دول العالم أن تحتفظ بالدولار وسندات الخزينة الأمريكية وهذا يجعل من الصعب على معظم الدول الانتقال بسهولة من استخدام الدولار الأمريكي إلى عملات أخرى. فعلى سبيل المثال لا يشكل الليوان الصيني سوى 3% من الاحتياطيات العالمية، ولا تتم سوى 2% من التجارة العالمية بالعملة الصينية، على الرغم من أن الصين هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر مصدر.

تعتقد الدول التي على علاقة غير ودية مع الولايات المتحدة أن إنشاء عملة بديلة للدولار أصبح أمراً ضرورياً ومصيرياً وذلك لأن الدولار وكما ذكرنا هو العملة الاحتياطية الأولى في العالم وأن معظم المعاملات الدولية تتم بالدولار وعبر البنوك المراسلة في الولايات المتحدة والتي تقوم بدورها بتصفية التعاملات والصفقات مع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وبالتالي ومن الناحية التقنية، فإن كل معاملة مالية تمس أو تحط في الأراضي الأمريكية تصبح خاضعة للتشريعات الأمريكية وتنظيم الأسواق المالية فيها. وهذا يمنح الولايات المتحدة قوة هائلة للتحكم بمسار ومصير هذه المعاملات، هذا بالإضافة إلى قدرتها على طباعة الدولار بشكل شبه مطلق واستخدام قوتها المالية هذه في معاقبة وتقييد الدول غير الصديقة. وقد استخدمت الولايات المتحدة هذه القوة ومازالت بشكل متزايد لتحقيق أهداف سياستها الخارجية في عدة أماكن ومناسبات.

 

ماهي الصعوبات التي تعترض دول البريكس في استحداث عملة موحدة؟

هناك عدة مشاكل تعترض إنشاء عملة موحدة ضمن مجموعة دول البريكس أولها هي أن اقتصادات دول البريكس تختلف اختلافاً كبيراً عن بعضها البعض من حيث طبيعة التجارة والنمو والانفتاح المالي والأداء الاقتصادي. في حين أن الأداء الاقتصادي لروسيا كان الأضعف بين دول البريكس الخمس في العام الماضي، فقد سعت البرازيل وجنوب أفريقيا والصين والهند لتحقيق الازدهار، ولكن بشكلٍ متفاوت إذ ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بالأسعار الثابتة بين عامي 2008 و2021 بنسبة 138% في الصين، و85% في الهند، وبنسبة 13% بالنسبة لروسيا، و4% بالنسبة للبرازيل، وشهدت جنوب أفريقيا انكماشاً بنسبة 5% خلال الفترة نفسها. 

ولكن حتى هذا الاختلاف والتناقض في مستوى الأداء ليس هو المشكلة الأساسية في التعامل مع مجموعة البريكس ككتلة. إذ أن أحدث بيانات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن حصة الصين تبلغ 73% من مجمل حجم اقتصادات دول المجموعة.

 المشكلة الأخرى هي التفاوت في نوعية ومقدار الثروات ومستويات الدخل بين هذه البلدان. الصين وهي القوة الاقتصادية الثانية في العالم يكسب المواطن العادي فيها أكثر من خمسة أضعاف متوسط المواطن في الهند (12,500 دولار سنويا في الصين مقابل 2,256 دولارا في الهند). وبالتالي فإن عدم تجانس هذه الاقتصادات يمثل عقبة رئيسية، ناهيك عن التشتت الجغرافي لهذه الدول.

ويشكل تقلب أسعار الصرف عقبة أخرى لابد من التغلب عليها. كيف سيتم تحديد سعر الصرف بين العملات المختلفة وعملة البريكس، وكيف سيتم تعديله بالنظر إلى المستويات المتفاوتة للاستقرار الاقتصادي داخل دول البريكس. عملات البرازيل وروسيا والهند وجنوب أفريقيا لديها قابلية محدودة للتحويل وتتقلب بشكل كبير مقابل الدولار الأمريكي واليورو. وبالتالي سيكون من الواجب تقييم معدلات تحويلات العملات المختلفة إلى عملة بريكس وإعادة حسابها بشكلٍ آني وباستمرار. وسيتعين على جميع دول بريكس الاتفاق على سعر التحويل. وفي حال تم حساب عملة البريكس بشكل خاطئ فإن ذلك سيخلق فرصاً للمراجحة، حيث سيكون ممكناً للدول أو الشركات والأفراد داخل الكتلة أو خارجها الاستفادة والربح والمناورة من خلال شراء إحدى العملات الفردية وتحويلها إلى عملة البريكس أو العكس.

سيكون من الصعب تخيل دوافع رغبة الدول في إيقاع نفسها ضمن حدودها الخاصة المقيدة والجامدة بينما يمكنها ببساطة استخدام عملة قوية خالية من القيود الحكومية مثل الدولار الأمريكي. وبالمثل، سيكون من الصعب بنفس القدر تخيل عملة البريكس دون أن تكون خاضعةً لسيطرة الحكومات التي أنشأتها، حيث يفرض جميع أعضاء مجموعة البريكس قيوداً على رأس المال وأسعار الصرف، كما أن عملة البريكس ستكون غير قابلة للتحويل بحرية إلى عملات أخرى. مثل هذه الظروف تجعل من غير المرجح أن تحقق عملة بريكس نفس مستوى النجاح مثل الدولار الأمريكي أو اليورو.

 ولمعالجة كل هذه المشاكل، سيتعين على دول البريكس إنشاء بنك مركزي مستقل، إضافةً إلى نظام عملة جديد، وأنظمة دفع، وبنية تحتية مالية جديدة. سيستغرق هذا وقتاً ويكلف مالاً كثيراً لإنشائه وصيانته. إن البنك الذي أنشأته دول البريكس، بنك التنمية الجديد (The New Development Bank)، موجود بالفعل، ولكنه بنك إنمائي، على غرار بنك التنمية الآسيوي أو البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية. إنه ليس بنكاً مركزياً، ولا يتمتع بوظائف البنك المركزي. بالإضافة إلى ذلك فإن رأسماله بالدولار الأمريكي.

 

هل يمكن لدول البريكس اتباع نهج اليورو؟

إن أقرب تشبيه أو مقاربة للطريق الذي يمكن أن تسلكه دول البريكس لإنشاء عملة جديدة هو الطريق الذي سلكه اليورو الذي استغرق سنوات لإنشائه وتطلب إنشاء بنك مركزي ومؤسسات مالية متعددة. وقامت أغلب بلدان الاتحاد الأوروبي بالتخلي تدريجياً عن عملاتها السيادية، وبالتالي حل القضايا المتعلقة بأسعار الصرف. وبعد كل هذا الجهد تم قبول اليورو كعملة دولية مستقرة قابلة للتحويل بالكامل وتم إضافتها إلى سلة عملات حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي.

ولكن وللأسف لن تحظى عملة بريكس بمثل هذا القبول الدولي وسيتعين عليها باستمرار التعامل مع قضايا سعر الصرف بين الدول الأعضاء فيها. وعلى فرض قامت دول البريكس بحل جميع تفاصيل آليات التداول بعملتها الجديدة، ستظل هناك مشكلة قابلية الاستخدام وعمق سوق عملة البريكس وقابلية تحويلها وقبولها عالمياً. وبالتالي ستكون مفيدة بعض الشيء فقط لشراء الواردات من دول البريكس ولن تكون قابلة للتحويل إلى دولارات أو عملات أخرى. ولا يمكن استخدامها لشراء سندات الخزانة الأمريكية من أجل تكوين الاحتياطات ولا لسداد الديون الخارجية. وسيكون من غير العملي استخدامها في الاستثمار الأجنبي المباشر، حتى في بلدان البريكس الأخرى. حيث يشمل الاستثمار الأجنبي المباشر عموماً مشاريع البناء والبنية التحتية التي تتطلب مواد خام لا يمكن شراؤها باستخدام عملة البريكس. وفي حال احتفظت كل دولة بعملتها السيادية الخاصة بها وهو المرجح، فلن يكون ممكناً دفع أجور العمال المحليين بعملة البريكس. ونتيجة لهذا فإن عملة البريكس لن تشكل عملة احتياطية فعالة بسبب افتقارها إلى قابلية التحويل وقابليتها المحدودة للاستخدام.

 

ما هو البديل العملي والواقعي الحالي؟

في أحسن الأحوال يمكن لدول البريكس أن تطور شيئاً مشابهاً لحقوق السحب الخاصة لدى صندوق النقد الدولي، وهي عملة احتياطية تستند إلى سلة من العملات الرائدة حيث تحتوي حوالي 40% من الدولار، و30% من اليورو إضافة إلى عملات أخرى. وسنقوم في المستقبل القريب بتقديم تصوراً وتحليلاً خاصاً بهذا الموضوع.

في النهاية وبالنظر للمشاكل والصعوبات المتعلقة بمشروع استحداث عملة موحدة خاصة بمجموعة دول البريكس، يبدو أنه من غير المرجح أن يمضي هذا المشروع بشكلٍ سلس وفعال. وإن حدث وتم المضي به وظهرت العملة الموحدة المنشودة فإن حجم التعامل بها لن يغطي سوى قدراً صغيراً من التجارة بين بلدان المجموعة والخارج، وسيكون رمزياً أكثر منه جوهرياً.

 

 

Auteur

يعد الدكتور نضال الشعار شخصية مميزة في القطاعات المالية والإقتصادية وفي الأوساط الأكاديمية. شغل د. نضال منصب وزير الإقتصاد والتجارة في سوريا، ولديه خبرة واسعة في الأسواق والمؤسسات المالية، حيث شغل مناصب بارزة في شركات (Fannie Mae) و(Johnson & Higgins)  في واشنطن العاصمة.

يشتهر د. نضال بشكل خاص بعمله مع منظمة (AAOIFI) الدولية، حيث شغل منصب الأمين العام ومسؤولية تنظيم صناعة التمويل الإسلامي على مستوى العالم. د. نضال هو معلم ذو خبرة وكان أستاذاً مساعداً للإقتصاد والتمويل في جامعة (جورج واشنطن)، وقد ألف العديد من الكتب والمقالات العلمية في مجال البنوك والأسواق المالية.

حصل د. نضال على العديد من الجوائز التقديرية لعمله، حيث حصل على جائزة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتميز المصرفي في عام 2006 وتم تكريمه لمساهماته في تطوير الاقتصاد والتمويل الإسلامي، بما في ذلك ترشيحه مرتين لجائزة نوبل.

Try These Next