تطور علاقة الروبل الروسي مع اليوان الصيني

د. نضال الشعار - كبير الإقتصاديين

2024-07-18 10:30:52

مقدمة

على مدار العامين الماضيين أو نحو ذلك نجد أن الروبل الروسي قد تقلص من حيث حجمه ومكانته في التعاملات الدولية. وأصبح من الواضح أن الغرب لم يعد يتعامل أو يهتم بالروبل الروسي. كما أن الدول الأخرى التي تواصل التجارة مع روسيا لم تعد ترغب في القيام بالأعمال التجارية بالروبل الروسي. لذا فإن الصين والهند، وهما شريكان تجاريان رئيسيان مع روسيا الاتحادية والذين يشترون كمية هائلة من النفط مباشرة من روسيا، لا يرغبون بالتعامل مع الروبل. فعلى سبيل المثال، تقوم الصين بإتمام صفقاتها بالليوان الصيني وكذلك الهند تفضل الليوان الصيني على الروبل الروسي. وأصبح الكثير من تجارة الهند والإمارات العربية المتحدة بالليوان الصيني. وبذلك أصبح الليوان الصيني في الواقع أكثر أهميةً. وأصبح من المحتمل أن يكون لدى الليوان الصيني فرصة أكبر لتحدي الدولار الأمريكي كعملة مرجعية أكثر من الروبل الروسي، ومن أحد الأسباب لذلك هو العقوبات الثانوية المفروضة في حال التعامل مع روسيا والتي أدت إلى الهروب من التعامل بالروبل الروسي. 

مفردات ومراحل التغير

بين يناير 2019 وأبريل 2024، نعرض هنا بعض أرقام القيمة الإجمالية للصادرات الروسية التي تم دفع ثمنها بالليوان الصيني. ففي يناير 2019، بلغت قيمة الصادرات الروسية إلى الصين 4.4 مليار دولار. وعلى مدار الأشهر ال 12 التالية، كانت هناك زيادة تدريجية في إجمالي حجم الصادرات، وبحلول يناير 2020، قبل بدء جائحة COVID مباشرة، صدرت روسيا ما قيمته 5.4. مليار دولار إلى الصين في النصف الأول من عام 2020، ونتيجة لجائحة COVID، انخفض حجم الصادرات إلى 3.5 مليار. ومع ذلك، من تلك النقطة فصاعداً، فإن حجم صادرات روسيا إلى الصين آخذ في الازدياد. وبحلول يناير 2022، وصل حجم الصادرات إلى 6.6 مليار دولار. 

بدأت روسيا غزوها لأوكرانيا في فبراير 2022. ومباشرة بعد بدء الحرب، انخفض حجم الصادرات بشكل طفيف إلى 6.4 مليار. ولكن بعدها كان هناك ارتفاع كبير في حجم الصادرات من روسيا إلى الصين خلال عام 2022 نتيجة أن الغرب قد أدار ظهره لروسيا وتوفت عمليات الاستيراد منها. وكانت روسيا يائسة وتبحث عن شريك تجاري قادر على استيراد كميات كبيرة من النفط منها مباشرة. كانت الصين مكتفية بالبقاء في موقف محايد اتجاه هذه الحرب. ولأن روسيا كانت في مثل هذا الوضع اليائس، فقد قامت بعرض خصومات كبيرة على الصين لشراء هذه الأحجام الهائلة من النفط. ونتيجة لكل هذه العوامل، بدأت الصين في شراء كميات كبيرة من النفط. وبحلول أكتوبر 2022 وصل مستوى الصادرات الروسية إلى الصين إلى 9.5 مليار، وهو أكثر من ضعف حجم الصادرات في يناير 2019. ولكن مرةً أخرى بدأ حجم الصادرات إلى الصين في الانخفاض في نهاية عام 2022 وبداية عام 2023، نتيجة لإعلان الغرب سقوفاً لأسعار النفط الروسي، فقد كان على أي بلد يشتري النفط الروسي أن يثبت أنه تعاقد على دفع أقل من 60 دولار لكل برميل من النفط الخام. وكان لهذا تأثير سلبي من حيث حجم التجارة التي كانت روسيا تقوم بها مع الصين في تلك المرحلة. وبالإضافة إلى ذلك، كان هناك أيضا تباطؤ في الاقتصاد العالمي. مما أدى إلى انخفاض في أسعار النفط حول العالم وبالتالي انخفاض قيمة الصادرات التي كانت روسيا تبيعها للصين، لأن سعر برميل النفط كان أقل مما كان عليه خلال عام 2023. وانخفضت القيمة إلى 9.3 مليار في فبراير 2024. إن أحدث الأرقام التي لدينا تظهر أن المجموع من الصادرات من روسيا إلى الصين حاليا 9.8 مليار دولار شهريا، معظمها بالليوان وربما بعض الروبل. وإذا عدنا إلى فبراير 2022، وهو الوقت الذي بدأت فيه الحرب في أوكرانيا. في ذلك الشهر، تلقت روسيا مدفوعات إجمالية قدرها 400 مليون دولار بالليوان الصيني، وفي ذلك الوقت، ارتفعت صادرات روسيا مباشرة إلى الصين إلى 6.2 مليار دولار. وبلغت قيمة هذه المدفوعات 5.8 مليار دولار بعملات أخرى، معظمها بالدولار الأمريكي. ولكن في ديسمبر 2022، تلقت روسيا ما يعادل 7.3 مليار دولار بالليوان الصيني وفي تلك المرحلة إجمالي الصادرات إلى الصين كانت 8.8 مليار، وكانت 7.3 بالليوان و1.5 مليار فقط بعملات أخرى. 

والأهم حالياً أن أحدث الأرقام تظهر بأن روسيا اجمالاً حصلت على ما يعادل 13.4 مليار دولار من الليوان الصيني، لكنها صدرت فقط 9.8 مليار دولار من البضائع مباشرة إلى الصين. وهذا يمثل فرقاً قدره 3.6 مليار دولار. وما يعنيه هذا هو أن الصين ليست وحدها التي تسدد المدفوعات لروسيا بالليوان الصيني وانما هناك دول أخرى تستخدمه الآن مثل الهند. وهذه مشكلة كبيرة لروسيا لأنها تعني أن لا أحد يريد التعامل بالروبل الروسي. وبالتالي أصبح الروبل عملة شبه ميتة من حيث حجمها في التجارة الدولية. وبما أن روسيا تستورد وتدفع ثمن المستوردات باستخدام الليوان الصيني فإنه نتيجة لذلك، فإن روسيا عملياً تدعم الآن نمو العملة الصينية كعملة عالمية، وهي في الواقع تجعل الأمور أسوأ بالنسبة للروبل الروسي الذي أصبح عملة محلية مهملة عالمياً. 

 

تنبيه: هذا المحتوى هو معلومات تعبر عن رأي كاتبها فقط ولا يشكل نصيحة مالية أو إستثمارية، ولا تقدم شركة (ACY) أي تعهد أو ضمان فيما يتعلق بدقة أو إكتمال المعلومات المقدمة من قبل كاتب المحتوى، ولا تتحمل أي مسؤولية عن أي خسارة ناجمة عن أي إستثمار قائم على توصية أو تكهن أو معلومات مقدمة في هذا المحتوى.

 

Penulis

يعد الدكتور نضال الشعار شخصية مميزة في القطاعات المالية والإقتصادية وفي الأوساط الأكاديمية. شغل د. نضال منصب وزير الإقتصاد والتجارة في سوريا، ولديه خبرة واسعة في الأسواق والمؤسسات المالية، حيث شغل مناصب بارزة في شركات (Fannie Mae) و(Johnson & Higgins)  في واشنطن العاصمة.

يشتهر د. نضال بشكل خاص بعمله مع منظمة (AAOIFI) الدولية، حيث شغل منصب الأمين العام ومسؤولية تنظيم صناعة التمويل الإسلامي على مستوى العالم. د. نضال هو معلم ذو خبرة وكان أستاذاً مساعداً للإقتصاد والتمويل في جامعة (جورج واشنطن)، وقد ألف العديد من الكتب والمقالات العلمية في مجال البنوك والأسواق المالية.

حصل د. نضال على العديد من الجوائز التقديرية لعمله، حيث حصل على جائزة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتميز المصرفي في عام 2006 وتم تكريمه لمساهماته في تطوير الاقتصاد والتمويل الإسلامي، بما في ذلك ترشيحه مرتين لجائزة نوبل.

Try These Next